نذير حمدان
78
حكمة القرآن والحضارة
مما حمله عن اللّه تعالى حيث جاء بها قومه بينات من غير أن يضنّ بها عليهم ( الزخرف 63 ) منبّها من خلال ذلك إلى حقيقة الألوهية والفصل بينها وبين البشرية . ومنوّها بكرامته حين رفعه اللّه إليه وطهّره وأيده بروح القدس . شأنه شأن سائر الأنبياء الذين أخذ عليهم الميثاق حين آتاهم حكمته وكتبه مؤيدة ومبشرة بخاتم الأنبياء ( آل عمران 81 ) فالحكمة هنا على عمومها : معرفة أسرار الشريعة التي أغفل تفسيرها كثير من العلماء المفسرين . وما قدمته الآيتان أصل في بعثة الرسول حيث أرسله اللّه في الأميين ليحررهم من أميّتهم ، وينقلهم إلى الإطار الحضاري العالمي ، وهذا واضح من خصوصية ( التزكية ) التي يعلنها فعلا في منهاجه وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( آل عمران 164 ) وكرّرها في ( الجمعة 2 ) فإذا تعمّق الرسول في فهم الأشخاص والأشياء والأحكام من أجل أن يزكّيهم فإنه يبلغ في ذلك أكمل التبليغ النبوي وأخلده . وربما أشار ابن كثير إلى ذلك حين لخّص تفسير الحكمة بالسنّة التي يعرف منها الحلال والحرام والآداب ، أو الفهم في الدين من خلال الحق الذي تعلمه الرسول كما صرحت الآيات الكثيرة ، بينما يجمع الزمخشري القرآن والسنة حتى تستكمل الحكمة من أطرافها . إن هذه المهمة الضخمة لا يمكن أن تمارس من فراغ ، فلا بد من أن يدفع اللّه عن رسوله ويرد على حسد اليهود مبينا لهم أن اللّه أرسل للمسلمين رسولهم وآتاه الحكمة مثل ما آتى آل إبراهيم الحكمة ( النساء 54 ) « 1 » ، وأنه يربّي رسوله على تلقّي الكتاب وتمثّله لإكسابه مزيدا من حكمته فيعلّمه ما لم يكن يعلم ويثبته عليها ( النساء 113 ) منبها إلى استقلالية مصدرها الأول القرآن من التأثّرات العقدية الخارجية ( الرعد 37 ) وبلفظ ( الحكم ) . وهكذا تأخذ الحكمة معنى عمليا فكريا انتقائيا يقوم على تحري الحق والصواب بعد أن أصبحت ملكة نامية في شخصيته وعلاقاته معتمدة في كلّ ذلك على وحي اللّه . وخصّ الرازي الحكمة بالمعرفة العقلية في ( آل عمران 164 ) فقال : إنها معرفة الحق لذاته والخير للعمل به للدلالة
--> ( 1 ) انظر قول الرازي عند هذه الآية وتقسيمه ( الكتاب ) إلى ظواهر الشريعة ، و ( الحكمة ) إشارة إلى أسرار الحقيقة وذلك هو كمال العلم . . . . ونقل ابن الجوزي قولين في معنى الحكمة هنا : النبوة قاله السدي ومقاتل ، والثاني : الفقه في الدين ، قاله أبو سليمان الدمشقي . واعتمده ابن كثير .